القاضي عبد الجبار الهمذاني

87

المغني في أبواب التوحيد والعدل

الرغبة واجبة لما فيها من الانقطاع إليه تعالى ، ولما في نفس الرغبة من اللطف والفائدة . وإنما يرغب العبد إلى اللّه تعالى في اللطف والتوفيق بشرط أن يكون ذلك في المعلوم . فكما لا يجب انقطاع الرغبة فيمن لا لطف له ، فكذلك فيمن تقدّم وجود لطفه . فإن قال : لو جاز تقدّمه بأوقات لم يكن بعضها أولى من بعض فكان يجوز أن يتقدّم الكبير فيها ؛ وبطلان ذلك يوجب صحة ما قلته . قيل له : إن الّذي أوردته إنما كان يجب لو لم يكن بين جميع ما ذكرته فصل . فأما إذا قام الدليل عليه بطريقة تقتضى الفرق بين ما يجوز أن يتقدّم وبين ما لا يجوز ذلك فيه ، لم يلزم ما سألت عنه . فإن قال : فما تلك الطريقة ؟ قيل له : متى كان المتقدّم في حكم الحاصل قبله بوقت واحد في العلم به وبأحواله على الوجه الّذي يكون لطفا ، فيجب جواز ذلك فيه . ومتى خرج عن هذا القدر ، فتقدّمه لا يجوز أن يكون وجوده كعدمه ؛ فلا يحصل به الغرض المقصود . فإن / قال : فيجب على ما قلتم إنه يجوز تقدّمه قبل حال التكليف أيضا ، لمثل ما ذكرتموه من العلة . قيل له : إذا كان المعلوم من حال المراهق الّذي قد قارب حاله حال التكليف أنه متى شاهد ذلك ثم كلف من بعد بأوقات يسيرة أن ذلك في باب الدعاء إلى الفعل بمنزلة ما يوجد بعد التكليف ، فلا مانع يمنع من ذلك . فأما إذا كان هذا المتقدّم هو الّذي يجوز أن يعرّى من وجوه القبح دون ما تقدّم بوقت واحد ، فتقديمه واجب على ما قدّمناه .